محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

212

الإنجاد في أبواب الجهاد

فأمَّا الأول ؛ وهو إذا كثر عدد المشركين ، فكانوا فوق الضِّعف ، فذهب قوم إلى أن الفرار محرمٌ - أيضاً - على كل حال ، ولا يحلُّ التولي عنهم إلا لمتحرفٍ لقتال ، أو متحيزٍ إلى فئةٍ يستنصر بها من المسلمين ، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم ( 1 ) ، وأظنُّه قول جماعة أهل الظاهر ، ودليلهم على ذلك : عمومُ آية النهي عن التولِّي عند الزحف ، وإطلاقُ الوعيد كذلك على من ولَّى عموماً ، من أي عددٍ كان ، ولم يَرَوْا آيتي التحريض في الصبر ، ووعدِ الغلب تعرَّضتا لذلك بنسخٍ ولا تخصيص ، بل هو عندهم باقٍ على عمومه ، كما قد أشرنا إليه في الفصل قبل هذا . وذهب مالكٌ ( 2 ) ، والشافعي ( 3 ) ، وأبو حنيفة ( 4 ) ، وجمهور أهل العلم إلى أنه لا حَرجَ على من ولَّى أمام عَدَدٍ فوق ضِعْفَ المسلمين ، إذا خشوا الغَلبة ، وهم في سَعَةٍ من الفرار ، إذا زاد المشركون على الضِّعف . ومستند هؤلاء ما دلَّ عليه ظاهر قوله - تعالى - : { إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ } إلى قوله - تعالى - : { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذنْ اللَّهِ } [ الأنفال : 65 - 66 ] ، فحملوا هذا على أنه مخصوصٌ ؛ لعموم النهي عن التولِّي عند الزحف ، وبَيَّنَتْ عندهم هذه الآياتُ أن ذلك ليس على الإطلاق في لقاء كل عدوٍّ من الكفار ، بل هو في حال كون العدد على مبلغ ما ذُكِرَ في الآيتين فأقلَّ ، فأما ما زاد على ذلك ، فظاهر الآية ، وما ذُكِرَ من التخفيف يدل

--> ( 1 ) في « المحلى » ( 7 / 292 ) ، وقد مَضَى كلامه . ( 2 ) انظر : « الذخيرة » ( 3 / 410 ) ، « البيان والتحصيل » ( 17 / 30 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 50 ) ، « الخرشي » ( 4 / 19 ) ، « حاشية الدسوقي على الشرح الكبير » ( 2 / 178 ) . ( 3 ) انظر : « الأم » ( 4 / 169 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 248 ) . ( 4 ) انظر : « شرح السير الكبير » ( 1 / 89 ) ، « أحكام القرآن » ( 4 / 227 ) للجصاص ، « الفتاوى الهندية » ( 2 / 193 ) . وهذا مذهب الحنابلة ، انظر : « المغني » ( 13 / 187 ) ، « كشاف القناع » ( 2 / 374 ) .